أحمد بن محمد مسكويه الرازي
242
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
كلها ومستحيلة ومنحلّة ، لكنه يختار لها أتم الخيرات وأعلاها وأعظمها وهو الخير الذي لها بالذات . أعني الذي ليس بخارج عنها ، وهو الذي ينسب إلى جزئه الإلهي ، ومن سار بهذه السيرة واختارها لنفسه فقد أحسن إليها وأنزلها في الشرف الاعلى ، وأهّلها لقبول الفيض الإلهي واللذة الحقيقية التي لا تفارقه أبدا ، وإذا كان بهذه الحال فهو لا محالة يفعل سائر الخيرات الأخر ، وينفع غيره ببذل الأموال والسماحة بجميع ما يتشاح الناس عليه ، ويخص أصدقاءه من ذلك بكل ما يضيق عنه ذرع أصحاب السير الباقية فيصير معظما عند كل أحد ، ولا سيما عند صديقه . وأيضا فقد بيّنا في ما تقدم أنّ الانسان مدنيّ بالطبع وشرحنا معنى المدني ، فإذا بالواجب يكون تمام سعادته الإنسانية عند أصدقائه ، ومن كان تمامه عند غيره فمن المحال أن يصل مع الوحدة والتفرد إلى سعادته التامة ، فالسعيد إذا من اكتسب الأصدقاء واجتهد في بذل الخيرات لهم ، ليكتسب بهم ما لا يقدر ان يكتسبه بذاته فيلتذ بهم أيام حياته ويلتذون أيضا به ، وقد شرحنا حال هذه اللذة وانها باقية غير منحلّة ولا متغيّرة ، وهؤلاء في جملة الناس والجمهور منهم قليلون جدا . واما أصحاب اللذات البهيمية والنافع فيها فكثيرون جدا ، وقد يكتفى من هؤلاء بالقليل كالأبازير « 1 » في الطعام وكالملح خاصة ، وأما الصديق الأول الذي ذكرنا وصفه فلا يمكن أن يكون كثير العزّته ، ولأنه محبوب بافراط ، وإفراط المحبّة لا يصحّ ولا يتمّ إلا لواحد . وأما حسن العشرة وكرم اللقاء والسعي لكل أحد بسيرة الصديق الحقيقي فمبذول لأجل طلب الفضيلة ، ولأنا قد قلنا في ما تقدم أن الرجل الخير الفاضل
--> ( 1 ) . الأبازير جمع البزر ، أي : التابل وهو ما يطيّب به الغذاء . البرز : حبّة تحصل من لقح البييضة ، وتكون مفصولة عن الثمرة . في المثل : مثلي لا يخفى على أبازيرك . أي : زيادتك في القول .